الفيض الكاشاني

283

أنوار الحكمة

سرّ [ سرّ شدّة سكرات الموت ] الوجه في ذلك « 1 » أنّ المدرك للألم هو النفس بتوسّط الروح الحيواني ، فمهما أصاب العضو الذي فيه الروح جرح أو حرق سرى الأثر إلى الأجزاء ، فلا يصيب الروح إلّا بعض الأثر ؛ وألم النزع يهجم على نفس الروح ويستغرقه ، حتّى لم يبق جزء من أجزاء الروح المنتشرة في أعماق البدن إلّا وقد حلّ به الألم ، لأنّه ينزع ويجذب من كلّ عرق وعصب وجزء ومفصل ، ومن أصل كلّ شعرة وبشرة ، من القرن إلى القدم . فالكرب يبالغ فيه ويتصاعد على قلبه ويغلب على كلّ موضع منه ، فلا يترك له قوّة استغاثة . أمّا العقل فيغشيه ويشوّشه ، وأمّا اللسان فيبكمه ، وأمّا الأطراف فيضعفها وينتشر الألم في داخله وخارجه ، وهو يظنّ أنّ بطنه ملئت شوكا ، وكأنّما نفسه تخرج من ثقب إبرة ، وكأنّما السماء منطبقة على الأرض وهو بينهما . ومثّله بعض الصحابة بغصن كثير الشوك ادخل في جوف رجل « 2 » ، فجذبه إنسان شديد البطش ذو قوّة ، فقطع ما قطع ، وأبقى ما أبقى « 3 » . وعند ذلك يرشح جبينه ، وتدور عيناه ، وترتفع أضلاعه ، ويعلو نفسه ، ويصفرّ لونه ، ويتقلّص لسانه إلى أصله ، ويرتفع أنثياه إلى أعالي موضعهما ، وتخضرّ أنامله ؛ ثمّ يموت كلّ عضو من أعضائه تدريجا : فتبرد أوّلا قدماه ، ثمّ فخذاه ، ولكلّ عضو سكرة بعد سكرة ، وكربة بعد كربة ، حتّى يبلغ بها إلى

--> ( 1 ) مقتبس مما جاء في الإحياء : كتاب ذكر الموت ، في سكرات الموت وشدته . . . : 4 / 670 . ( 2 ) أضيف في الإحياء : فأخذت كل شوكة بعرق . ( 3 ) نسبه الغزالي ( الإحياء ، الباب المذكور : 4 / 673 ) إلى كعب الأحبار . وقال الزبيدي ( إتحاف السادة : 10 / 263 ) : « هذا لفظ ابن أبي شيبة في مسنده . ورواه أبو نعيم في الحلية ( 6 / 44 ، ترجمة كعب الأحبار ) ، فقال : . . . إن عمر قال لكعب : أخبرني عن الموت ؟ قال : يا أمير المؤمنين - هو مثل شجرة كثير الشوك في جوف ابن آدم ، وليس منه عرق ولا مفصل إلّا وفيه شوك ، ورجل شديد الذراعين ، فهو يعالجها ، ينزعها . . . » .